الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
94
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لأنّ ذلك أمكن لحركة بقية الجهد بعد البرء وذلك بأنّ يتوكّأ باليد الباقية على عود بجهة الرّجل المقطوعة . قال علماؤنا : تقطع يده لأجل أخذ المال ، ورجله للإخافة ؛ لأنّ اليد هي العضو الّذي به الأخذ ، والرّجل هي العضو الّذي به الإخافة ، أي المشي وراء النّاس والتعرّض لهم . والنّفي من الأرض : الإبعاد من المكان الّذي هو وطنه لأنّ النّفي معناه عدم الوجود . والمراد الإبعاد ، لأنّه إبعاد عن القوم الّذين حاربوهم . يقال : نفوا فلانا ، أي أخرجوه من بينهم ، وهو الخليع ، وقال النّابغة : ليهنئ لكم أن قد نفيتم بيوتنا أي أقصيتمونا عن دياركم . ولا يعرف في كلام العرب معنى للنّفي غير هذا . وقال أبو حنيفة وبعض العلماء : النّفي هو السجن . وحملهم على هذا التأويل البعيد التفادي من دفع أضرار المحارب عن قوم كان فيهم بتسليط ضرّه على قوم آخرين . وهو نظر يحمل على التّأويل ، ولكن قد بيّن العلماء أنّ النّفي يحصل به دفع الضرّ لأنّ العرب كانوا إذا أخرج أحد من وظنه ذلّ وخضدت شوكته ، قال امرؤ القيس : به الذئب يعوي كالخليع المعيّل وذلك حال غير مختصّ بالعرب فإنّ للمرء في بلده وقومه من الإقدام ما ليس له في غير بلده . على أنّ من العلماء من قال : ينفون إلى بلد بعيد منحاز إلى جهة بحيث يكون فيه كالمحصور . قال أبو الزناد : كان النّفي قديما إلى ( دهلك ) وإلى ( باضع ) « 1 » وهما جزيرتان في بحر اليمن . وقد دلّت الآية على أمرين : أحدهما : التخيير في جزاء المحاربين ؛ لأنّ أصل ( أو ) الدلالة على أحد الشيئين أو الأشياء في الوقوع ، ويقتضي ذلك في باب الأمر ونحوه التخيير ، نحو فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [ البقرة : 196 ] . وقد تمسّك بهذا الظّاهر جماعة من العلماء منهم مالك بن أنس ، وسعيد بن المسيّب ، وعطاء ، ومجاهد ، والنخعي ،
--> ( 1 ) دهلك - بفتح الدّال المهملة وسكون الهاء وفتح اللام - جزيرة بين اليمن والحبشة . وباضع - بموحّدة في أوّله وبكسر الضّاد المعجمة - جزيرة في بحر اليمن .